فصل: فَصْلٌ: (اعْتِصَامُ الْخَاصَّةِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [الِاعْتِصَامُ وَالتَّوَكُّلُ]:

وَأَمَّا الِاعْتِصَامُ بِهِ فَهُوَ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، وَالِامْتِنَاعُ بِهِ، وَالِاحْتِمَاءُ بِهِ، الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَسُؤَالُهُ أَنْ يَحْمِيَ الْعَبْدَ وَيَمْنَعَهُ، وَيَعْصِمَهُ وَيَدْفَعَ عَنْهُ، فَإِنَّ ثَمَرَةَ الِاعْتِصَامِ بِهِ هُوَ الدَّفْعُ عَنِ الْعَبْدِ، وَاللَّهُ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَدْفَعُ عَنْ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ إِذَا اعْتَصَمَ بِهِ كُلَّ سَبَبٍ يُفْضِي بِهِ إِلَى الْعَطَبِ، وَيَحْمِيهِ مِنْهُ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَكَيْدَ عَدُوِّهِ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ، وَشَرَّ نَفْسِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِبَ أَسْبَابِ الشَّرِّ بَعْدَ انْعِقَادِهَا، بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاعْتِصَامِ بِهِ وَتَمَكُّنِهِ، فَتُفْقَدُ فِي حَقِّهِ أَسْبَابُ الْعَطَبِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِبَاتِهَا وَمُسَبِّبَاتِهَا، وَيَدْفَعُ عَنْهُ قَدَرَهَ بِقَدَرِهِ، وَإِرَادَتَهُ بِإِرَادَتِهِ، وَيُعِيذُهُ بِهِ مِنْهُ.

.فَصْلٌ: [تعريف آخر للاعتصام]:

وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ التَّرَقِّي عَنْ كُلِّ مَوْهُومٍ.
الْمَوْهُومُ عِنْدَهُ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّرَقِّي عَنْهُ الصُّعُودُ مِنْ شُهُودِ نَفْعِهِ وَضُرِّهِ وَعَطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَتَأْثِيرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفَنَاءِ. وَمُرَادُهُ: الصُّعُودُ عَنْ شُهُودِ مَا سِوَى اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَالْكَمَالُ فِي ذَلِكَ: الصُّعُودُ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ إِلَى إِرَادَتِهِ.
وَالِاتِّحَادِيُّ يُفَسِّرُهُ بِالصُّعُودِ عَنْ وُجُودِ مَا سِوَاهُ إِلَى وُجُودِهِ، بِحَيْثُ لَا يَرَى لِغَيْرِهِ وُجُودًا الْبَتَّةَ، وَيَرَى وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ هُوَ وُجُودُهُ، فَلَا وُجُودَ لِغَيْرِهِ إِلَّا فِي الْوَهْمِ الْكَاذِبِ عِنْدَهُ.
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: اعْتِصَامِ الْعَامَّةِ بِالْخَبَرِ، اسْتِسْلَامًا وَإِذْعَانًا، بِتَصْدِيقِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَتَأْسِيسِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْيَقِينِ وَالْإِنْصَافِ.
يَعْنِي أَنَّ الْعَامَّةَ اعْتَصَمُوا بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ عَنِ اللَّهِ، اسْتِسْلَامًا مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ، بَلْ إِيمَانًا وَاسْتِسْلَامًا، وَانْقَادُوا إِلَى تَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِذْعَانِ لَهُمَا، وَالتَّصْدِيقِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَسَّسُوا مُعَامَلَتَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ، لَا عَلَى الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، وَسُلُوكِ طَرِيقَةِ الِاحْتِيَاطِ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
زَعَمَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلَاهُمَا ** لَا تُبْعَثُ الْأَجْسَادُ قُلْتُ إِلَيْكُمَا

إِنْ صَحَّ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ ** أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالْخَسَارُ عَلَيْكُمَا

هَذَا طَرِيقُ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ يَقُومُونَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ احْتِيَاطًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَا تُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا تُحَصِّلُ لِصَاحِبِهَا السَّعَادَةَ، وَلَا تُوصِلُهُ إِلَى الْمَأْمَنِ.
وَأَمَّا الْإِنْصَافُ الَّذِي أَسَّسُوا مُعَامَلَتَهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ الْإِنْصَافُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِخَلْقِهِ.
فَأَمَّا الْإِنْصَافُ فِي مُعَامَلَةِ اللَّهِ فَأَنْ يُعْطِيَ الْعُبُودِيَّةَ حَقَّهَا، وَأَنْ لَا يُنَازِعَ رَبَّهُ صِفَاتِ إِلَهِيَّتِهِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالْعَبْدِ وَلَا تَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْعَظَمَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْجَبَرُوتِ.
وَمِنْ إِنْصَافِهِ لِرَبِّهِ أَنْ لَا يَشْكُرَ سِوَاهُ عَلَى نِعَمِهِ وَيَنْسَاهُ، وَلَا يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعَاصِيهِ، وَلَا يَحْمَدَ عَلَى رِزْقِهِ غَيْرَهُ، وَلَا يَعْبُدَ سِوَاهُ، كَمَا فِي الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ: إِنِّي وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ فِي نَبَإٍ عَظِيمٍ أَخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ سِوَايَ، وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَأَنَا عَنْكَ غَنِيٌّ، وَتَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيَّ، وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ يَعْرُجُ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا مِنْ يَوْمٍ جَدِيدٍ، إِلَّا يَأْتِيكَ مِنْ عِنْدِي رِزْقٌ جَدِيدٌ، وَتَأْتِي عَنْكَ الْمَلَائِكَةُ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، تَأْكُلُ رِزْقِي وَتَعْصِينِي، وَتَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَكَ، وَتَسْأَلُنِي فَأُعْطِيكَ، وَأَنَا أَدْعُوكَ إِلَى جَنَّتِي فَتَأْبَى ذَلِكَ، وَمَا هَذَا مِنَ الْإِنْصَافِ.
وَأَمَّا الْإِنْصَافُ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ فَأَنْ يُعَامِلَهُمْ بِمِثْلِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوهُ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ اعْتِصَامُ الْعَامَّةِ. هُوَ اعْتِصَامُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ مِمَّنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمُ الْفَنَاءِ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ، فَلَا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَرَى مَقَامًا أَجَلَّ مِنْهُ.

.فَصْلٌ: [اعْتِصَامُ الْخَاصَّةِ]:

قَالَ: وَاعْتِصَامُ الْخَاصَّةِ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُوَ صَوْنُ الْإِرَادَةِ قَبْضًا، وَإِسْبَالُ الْخُلُقِ عَلَى الْخَلْقِ بَسْطًا، وَرَفْضُ الْعَلَائِقِ عَزْمًا، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.
يُرِيدُ انْقِطَاعَ النَّفْسِ عَنْ أَغْرَاضِهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَيَصُونُ إِرَادَتَهُ، وَيَقْبِضُهَا عَمَّا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِحَالِ أَبِي يَزِيدَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَمَّا قِيلَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ.
الثَّانِي: إِسْبَالُ الْخُلُقِ عَلَى الْخَلْقِ بَسْطًا، وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّصَوُّفِ، فَإِنَّهُ كَمَاقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ: التَّصَوُّفُ خُلُقٌ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ زَادَ عَلَيْكَ فِي التَّصَوُّفِ.
فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَتَزْكِيَةَ النَّفْسِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ قَلْبِ صَاحِبِهِ، وَكَرَمِ نَفْسِهِ وَسَجِيَّتِهِ. وَفِي هَذَا الْوَصْفِ يَكُفُّ الْأَذَى، وَيَحْمِلُ الْأَذَى وَيُوجِدُ الرَّاحَةَ، وَيُدِيرُ خَدَّهُ الْأَيْسَرَ لِمَنْ لَطَمَ الْأَيْمَنَ، وَيُعْطِي رِدَاءَهُ لِمَنْ سَلَبَهُ قَمِيصَهُ، وَيَمْشِي مِيلَيْنِ مَعَ مَنْ سَخَّرَهُ مِيلًا، وَهَذَا عَلَامَةُ انْقِطَاعِهِ عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ وَأَغْرَاضِهَا.
وَأَمَّا رَفْضُ الْعَلَائِقِ عَزْمًا فَهُوَ الْعَزْمُ التَّامُّ عَلَى رَفْضِ الْعَلَائِقِ، وَتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ.
وَالْأَصْلُ هُوَ قَطْعُ عَلَائِقِ الْبَاطِنِ، فَمَتَى قَطَعَهَا لَمْ تَضُرَّهُ عَلَائِقُ الظَّاهِرِ، فَمَتَى كَانَ الْمَالُ فِي يَدِكَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ لَمْ يَضُرَّكَ وَلَوْ كَثُرَ، وَمَتَى كَانَ فِي قَلْبِكَ ضَرَّكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِكَ مِنْهُ شَيْءٌ.
قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَيَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا، وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَى شَرِيطَةِ أَلَّا يَفْرَحَ إِذَا زَادَتْ وَلَا يَحْزَنَ إِذَا نَقَصَتْ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ أَزْهَدَ الْأُمَّةِ مَعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَقِيلَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَيَكُونُ ذُو الْمَالِ زَاهِدًا؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ كَانَ إِذَا زِيدَ فِي مَالِهِ شَكَرَ، وَإِنْ نَقَصَ شَكَرَ وَصَبَرَ.
وَإِنَّمَا يُحْمَدُ قَطْعُ الْعَلَائِقِ الظَّاهِرَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ: حَيْثُ يَخَافُ مِنْهَا ضَرَرًا فِي دِينِهِ أَوْ حَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، وَالْكَمَالُ مِنْ ذَلِكَ قِطَعُ الْعَلَائِقِ الَّتِي تَصِيرُ كَلَالِيبَ عَلَى الصِّرَاطِ تَمْنَعُهُ مِنَ الْعُبُورِ، وَهِيَ كَلَالِيبُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَهَا.

.فَصْلٌ: [اعْتِصَامُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ]:

قَالَ: وَاعْتِصَامُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ: بِالِاتِّصَالِ، وَهُوَ شُهُودُ الْحَقِّ تَفْرِيدًا، بَعْدَ الِاسْتِحْذَاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ قُرْبًا.
لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الِانْقِطَاعُ مُوَصِّلًا إِلَى هَذَا الِاتِّصَالِ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَسِّطِينَ، وَهَذَا عِنْدَهُ لِأَهْلِ الْوُصُولِ.
وَيَعْنِي بِشُهُودِ الْحَقِّ تَفْرِيدًا أَنْ يَشْهَدَ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَذَلِكَ لِفَنَاءِ الشَّاهِدِ فِي الشُّهُودِ، وَالْحَوَالَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَوْمِ: عَلَى الْكَشْفِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَمَالٍ، وَأَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يَفْنَى بِمُرَادِهِ عَنْ مُرَادِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا فَنَاؤُهُ بِشُهُودِهِ عَنْ شُهُودِ مَا سِوَاهُ فَدُونَ هَذَا الْفَنَاءِ فِي الرُّتْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَعْدَ الِاسْتِحْذَاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، فَالشَّيْخُ لِكَثْرَةِ لَهْجِهِ بِالِاسْتِعَارَاتِ عَبَّرَ عَنْ مَعْنًى لَطِيفٍ عَظِيمٍ بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْذَاءِ الَّتِي هِيَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمُحَاذَاةِ، وَهِيَ الْمُقَابَلَةُ الَّتِي لَا يَبْقَى فِيهَا جُزْءٌ مِنَ الْمُحَاذِي خَارِجًا عَمَّا حَاذَاهُ، بَلْ قَدْ وَاجَهَهُ وَقَابَلَهُ بِكُلِّيَّتِهِ وَجَمِيعِ أَجْزَائِهِ. وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ: الْقُرْبُ، وَارْتِفَاعُ الْوَسَائِطِ الْمَانِعَةِ مِنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَبْدَ يَقْرُبُ مِنْ رَبِّهِ، وَالرَّبَّ يَقْرُبُ مِنْ عَبْدِهِ، فَأَمَّا قُرْبُ الْعَبْدِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وقوله فِي الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَكَقَوْلِهِ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ» وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: لَمَّا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ- فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ».
فَعَبَّرَ الشَّيْخُ عَنْ طَلَبِ الْقُرْبِ مِنْهُ، وَرَفْضِ الْوَسَائِطِ الْحَائِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْبِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي لَا تَقَرُّ عُيُونُ عَابِدِيهِ وَأَوْلِيَائِهِ إِلَّا بِهِ بِالِاسْتِحْذَاءِ. وَحَقِيقَتُهُ مُوَافَاةُ الْعَبْدِ إِلَى حَضْرَتِهِ وَقُدَّامِهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ، عَكْسُ حَالِ مَنْ نَبَذَهُ وَرَاءَهُ ظِهْرِيًّا، وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَنَأَى بِجَانِبِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَلَّى الْمُطَاعَ ظَهْرَهُ، وَمَالَ بِشِقِّهِ عَنْهُ.
وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ إِلَّا بِوُجُودِهِ وَذَوْقِهِ، وَأَحْسَنُ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَأَقْرَبُ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ أَنَّهُ التَّقْرِيبُ بِرَفْعِ الْوَسَائِطِ الَّتِي بِارْتِفَاعِهَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الِاسْتِحْذَاءُ لَهُ تَعْظِيمًا.
وَمَنْ أَرَادَ فَهْمَ هَذَا- كَمَا يَنْبَغِي- فَعَلَيْهِ بِفَهْمِ اسْمِهِ تَعَالَى الْبَاطِنِ وَفَهْمِ اسْمِهِ الْقَرِيبِ مَعَ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِحُبِّهِ، وَلَهْجِ اللِّسَانِ بِذِكْرِهِ، وَمِنْ هَاهُنَا يُؤْخَذُ الْعَبْدُ إِلَى الْفَنَاءِ الَّذِي كَانَ مُشَمِّرًا إِلَيْهِ، عَامِلًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ مُشَمِّرًا إِلَى الْفَنَاءِ الْمُتَوَسِّطِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ السِّوَى، لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ شُهُودٌ لِغَيْرِهِ الْبَتَّةَ، بَلْ تَضْمَحِلُّ الرُّسُومُ وَتَفْنَى الْإِشَارَاتُ، وَيَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ يُجِيبُ دَاعِيَ الْفَنَاءِ طَوْعًا وَرَغْبَةً لَا كَرْهًا، لِأَنَّ هَذَا الْمَقَامَ امْتَزَجَ فِيهِ الْحُبُّ بِالتَّعْظِيمِ مَعَ الْقُرْبِ، وَهُوَ مُنْتَهَى سَفَرِ الطَّالِبِينَ لِمَقَامِ الْفَنَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشَمِّرًا لِلْفَنَاءِ الْعَالِي، وَهُوَ الْفَنَاءُ عَنْ إِرَادَةِ السِّوَى لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ مُرَادٌ يُزَاحِمُ مُرَادَهُ الدِّينِيَّ الشَّرْعِيَّ النَّبَوِيَّ الْقُرْآنِيَّ، بَلْ يَتَّحِدُ الْمُرَادَانِ فَيَصِيرُ عَيْنُ مُرَادِ الرَّبِّ هُوَ مُرَادَ الْعَبْدِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ، وَفِيهَا يَكُونُ الِاتِّحَادُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الِاتِّحَادُ فِي الْمُرَادِ، لَا فِي الْمُرِيدِ، وَلَا فِي الْإِرَادَةِ.
فَتَدَبَّرْ هَذَا الْفُرْقَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي طَالَمَا زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ السَّالِكِينَ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامُ الْوَاجِدِينَ.
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ حَقِيقَةٌ: يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ إِرَادَةً وَإِيثَارًا، وَمَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا، وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ، وَفِيهِ تَرْتَفِعُ الْوَسَائِطُ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ حَقِيقَةً وَيَحْصُلُ لَهُ الِاسْتِحْذَاءُ الْمَذْكُورُ مَقْرُونًا بِغَايَةِ الْحُبِّ، وَغَايَةِ التَّعْظِيمِ.
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ يُجِيبُ دَاعِي الْفَنَاءِ فِي الْمَحَبَّةِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا لَا كَرْهًا، بَلْ يَنْجَذِبُ إِلَيْهِ انْجِذَابَ قَلْبِ الْمُحِبِّ وَرُوحِهِ، الَّذِي قَدْ مَلَأَتِ الْمَحَبَّةُ قَلْبَهُ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ جُزْءٌ فَارِغٌ مِنْهَا إِلَى مَحْبُوبِهِ الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مَحْبُوبٍ، وَأَجَلُّهُ وَأَحَقُّهُ بِالْحُبِّ.
وَهَذَا الْفَنَاءُ أَوْجَبَهُ الْحُبُّ الْكَامِلُ الْمُمْتَزِجُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْقُرْبِ، وَمَحْوِ مَا سِوَى مُرَادِ الْمَحْبُوبِ مِنَ الْقَلْبِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِي الْقَلْبِ إِلَّا الْمَحْبُوبُ وَمُرَادُهُ وَهَذَا حَقِيقَةُ الِاعْتِصَامِ بِهِ وَبِحَبْلِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالِاشْتِغَالُ بِهِ قُرْبًا، أَيْ يَشْغَلُهُ قُرْبُ الْحَقِّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْقُرْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَرِيبَ مِنَ السُّلْطَانِ جِدًّا، الْمُقْبِلَ عَلَيْهِ، الْمُكَلِّمَ لَهُ لَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ الْبَتَّةَ؟ فَعَلَى قَدْرِ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ يَكُونُ اشْتِغَالُ الْعَبْدِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: مَنْزِلَةُ الْفِرَارِ:

وَمِنْ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: مَنْزِلَةُ الْفِرَارِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} وَحَقِيقَةُ الْفِرَارِ: الْهَرَبُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: فِرَارُ السُّعَدَاءِ، وَفِرَارُ الْأَشْقِيَاءِ.
فَفِرَارُ السُّعَدَاءِ: الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِرَارُ الْأَشْقِيَاءِ: الْفِرَارُ مِنْهُ لَا إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْفِرَارُ مِنْهُ إِلَيْهِ فَفِرَارُ أَوْلِيَائِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}: فِرُّوا مِنْهُ إِلَيْهِ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمَّا سِوَى اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: اهْرُبُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى ثَوَابِهِ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: هُوَ الْهَرَبُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَى مَنْ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: فِرَارُ الْعَامَّةِ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ عَقْدًا وَسَعْيًا، وَمِنَ الْكَسَلِ إِلَى التَّشْمِيرِ جِدًّا وَعَزْمًا، وَمِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ ثِقَةً وَرَجَاءً.
يُرِيدُ بِمَا لَمْ يَكُنْ الْخَلْقَ، وَبِمَا لَمْ يَزَلْ الْحَقَّ.
وَقَوْلُهُ: فِرَارُ الْعَامَّةِ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ عَقْدًا وَسَعْيًا.
الْجَهْلُ نَوْعَانِ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ النَّافِعِ، وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ وَمُقْتَضَاهُ، فَكِلَاهُمَا جَهْلٌ لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا وَحَقِيقَةً، قَالَ مُوسَى {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} لَمَّا قَالَ لَهُ قومه: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أَيْ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أَيْ مِنْ مُرْتَكِبِي مَا حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

وَسُمِّيَ عَدَمُ مُرَاعَاةِ الْعِلْمِ جَهْلًا، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْجَهْلِ، وَإِمَّا لِجَهْلِهِ بِسُوءِ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُ فِعْلِهِ.
فَالْفِرَارُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْجَهْلَيْنِ: مِنَ الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ إِلَى تَحْصِيلِهِ، اعْتِقَادًا وَمَعْرِفَةً وَبَصِيرَةً، وَمِنْ جَهْلِ الْعَمَلِ إِلَى السَّعْيِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَصْدًا وَسَعْيًا.
قَوْلُهُ: وَمِنَ الْكَسَلِ إِلَى التَّشْمِيرِ جِدًّا وَعَزْمًا.
أَيْ يَفِرُّ مِنْ إِجَابَةِ دَاعِي الْكَسَلِ إِلَى دَاعِي الْعَمَلِ وَالتَّشْمِيرِ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ.
وَالْجِدُّ هَاهُنَا هُوَ صِدْقُ الْعَمَلِ، وَإِخْلَاصُهُ مِنْ شَوَائِبِ الْفُتُورِ، وَوُعُودِ التَّسْوِيفِ وَالتَّهَاوُنِ، وَهُوَ تَحْتَ السِّينِ وَسَوْفَ، وَعَسَى، وَلَعَلَّ، فَهِيَ أَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الْعَبْدِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ ثَمَرُهَا الْخُسْرَانُ وَالنَّدَامَاتُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجِدِّ وَالْعَزْمِ أَنَّ الْعَزْمَ صِدْقُ الْإِرَادَةِ وَاسْتِجْمَاعُهَا، وَالْجِدَّ صِدْقُ الْعَمَلِ وَبَذْلُ الْجُهْدِ فِيهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِتَلَقِّي أَوَامِرِهِ بِالْعَزْمِ وَالْجِدِّ، فَقَالَ: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} وقال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} وقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} أَيْ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ وَعَزْمٍ، لَا كَمَنْ يَأْخُذُ مَا أُمِرَ بِهِ بِتَرَدُّدٍ وَفُتُورٍ.
وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ ثِقَةً وَرَجَاءً.
يُرِيدُ هُرُوبَ الْعَبْدِ مِنْ ضِيقِ صَدْرِهِ بِالْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْمَخَاوِفِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِ مَصَالِحِهِ، وَمَصَالِحِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ وَبَدَنِهِ وَأَهْلِهِ وَعَدُوِّهِ، يَهْرُبُ مِنْ ضِيقِ صَدْرِهِ بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى سَعَةِ فَضَاءِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَصِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَحُسْنِ الرَّجَاءِ لِجَمِيلِ صُنْعِهِ بِهِ، وَتَوَقُّعِ الْمَرْجُوِّ مِنْ لُطْفِهِ وَبِرِّهِ، وَمِنْ أَحْسَنِ كَلَامِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُمْ: لَا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ شِدَّةٍ، وَهَذَا جَامِعٌ لِشَدَائِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَضَايِقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَخْرَجًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أَيْ كَافِي مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي نَوَائِبِهِ وَمُهِمَّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ مَا أَهَمَّهُ، وَالْحَسْبُ الْكَافِي {حَسْبُنَا اللَّهُ} كَافِينَا اللَّهُ.
وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجَاءِ لَهُ، صَادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُخَيِّبُ أَمَلَهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُخَيِّبُ أَمَلَ آمِلٍ، وَلَا يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ، وَعَبَّرَ عَنِ الثِّقَةِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالسَّعَةِ، فَإِنَّهُ لَا أَشْرَحَ لِلصَّدْرِ، وَلَا أَوْسَعَ لَهُ- بَعْدَ الْإِيمَانِ- مِنْ ثِقَتِهِ بِاللَّهِ وَرَجَائِهِ لَهُ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ.

.فَصْلٌ: [فِرَارُ الْخَاصَّةِ]:

قَالَ: وَفِرَارُ الْخَاصَّةِ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الشُّهُودِ، وَمِنَ الرُّسُومِ إِلَى الْأُصُولِ، وَمِنَ الْحُظُوظِ إِلَى التَّجْرِيدِ.
يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُمْ عَنْ مُجَرَّدِ خَبَرٍ، حَتَّى يَتَرَقَّوْا مِنْهُ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ بِالْخَبَرِ، إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ بِالشُّهُودِ كَمَا طَلَبَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ إِذْ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فَطَلَبَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَكُونَ الْيَقِينُ عِيَانًا، وَالْمَعْلُومُ مُشَاهَدًا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّكِّ فِي قَوْلِهِ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}» وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشُكَّ وَلَا إِبْرَاهِيمُ، حَاشَاهُمَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ.
هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ، أَيْ لَمْ يَشُكَّ إِبْرَاهِيمُ حَيْثُ قَالَ مَا قَالَ، وَلَمْ نَشُكَّ نَحْنُ، وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ أَيْضًا أَيْ لَوْ كَانَ مَا طَلَبَهُ لِلشَّكِّ لَكُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ، لَكِنْ لَمْ يَطْلُبْ مَا طَلَبَ شَكًّا، وَإِنَّمَا طَلَبَ مَا طَلَبَهُ طُمَأْنِينَةً.
فَالْمَرَاتِبُ ثَلَاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الْخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أَوِ الْبَصَرِ، حَتَّى يَصِيرَ الْعِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهُ وَيُلَابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإِذَا أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ فِي الْمَوْقِفِ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، وَشَاهَدُوهُمَا عِيَانًا، كَانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ الْيَقِينِ، وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنَ الرُّسُومِ إِلَى الْأُصُولِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِالرُّسُومِ ظَوَاهِرَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَبِالْأُصُولِ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ وَمُعَامَلَاتِ الْقُلُوبِ، وَأَذْوَاقَ الْإِيمَانِ وَوَارِدَاتِهِ، فَيَفِرُّ مِنْ إِحْكَامِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِلَى خُشُوعِ السِّرِّ لِلْعِرْفَانِ، فَإِنَّ أَرْبَابَ الْعَزَائِمِ فِي السَّيْرِ لَا يَقْنَعُونَ بِرُسُومِ الْأَعْمَالِ وَظَوَاهِرِهَا، وَلَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِأَرْوَاحِهَا وَحَقَائِقِهَا، وَمَا يُثْبِتُهُ لَهُمُ التَّعَرُّفُ الْإِلَهِيُّ، وَهُوَ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْأَمْرِ.
وَالتَّعَرُّفُ الْإِلَهِيُّ لَا يَقْتَضِي مُفَارَقَةَ الْأَمْرِ، كَمَا يَظُنُّ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَزَنَادِقَةُ الصُّوفِيَّةِ، بَلْ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُمْ حَقَائِقَ الْأَمْرِ، وَأَسْرَارَ الْعُبُودِيَّةِ، وَرُوحَ الْمُعَامَلَةِ، فَحَظُّهُمْ مِنَ الْأَمْرِ حَظُّ الْعَالِمِ بِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ، تَصْرِيحًا وَإِيمَاءً، وَتَنْبِيهًا وَإِشَارَةً، وَحَظُّ غَيْرِهِمْ مِنْهُ حَظُّ التَّالِي لَهُ حِفْظًا بِلَا فَهْمٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ لِمُرَادِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَحْوَجُ شَيْءٍ إِلَى الْأَمْرِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَى تِلْكَ التَّعَرُّفَاتِ وَالْحَقَائِقِ إِلَّا بِهِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ لَهُمْ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَعَمَلًا وَحَالًا ضَرُورِيَّةٌ، لَا عِوَضَ لَهُمْ عَنْهُ الْبَتَّةَ.
وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي فَاتَ الزَّنَادِقَةَ، وَقُطَّاعَ الطَّرِيقِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى طَرِيقَةِ الْقَوْمِ.
فَإِنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأَوَامِرِ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ أَرْوَاحُهَا، لَا صُوَرُهَا وَأَشْبَاحُهَا وَرُسُومُهَا، قَالُوا: نَجْمَعُ هِمَمَنَا عَلَى مَقَاصِدِهَا وَحَقَائِقِهَا، وَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى رُسُومِهَا وَظَوَاهِرِهَا، بَلِ الِاشْتِغَالُ بِرُسُومِهَا اشْتِغَالٌ عَنِ الْغَايَةِ بِالْوَسِيلَةِ، وَعَنِ الْمَطْلُوبِ لِذَاتِهِ بِالْمَطْلُوبِ لِغَيْرِهِ، وَغَرَّهُمْ مَا رَأَوْا فِيهِ الْوَاقِفِينَ مَعَ رُسُومِ الْأَعْمَالِ وَظَوَاهِرِهَا دُونَ مُرَاعَاةِ حَقَائِقِهَا وَمَقَاصِدِهَا وَأَرْوَاحِهَا، فَرَأَوْا نُفُوسَهُمْ أَشْرَفَ مِنْ نُفُوسِ أُولَئِكَ، وَهِمَمَهُمْ أَعْلَى، وَأَنَّهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِاللُّبِّ وَأُولَئِكَ بِالْقِشْرِ، فَتَرَكَّبَ مِنْ تَقْصِيرِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِ هَؤُلَاءِ تَعْطِيلٌ.
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَطَّلُوا سِرَّهُ وَمَقْصُودَهُ وَحَقِيقَتَهُ، وَهَؤُلَاءِ عَطَّلُوا رَسْمَهُ وَصُورَتَهُ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَصِلُونَ إِلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ غَيْرِ رَسْمِهِ وَظَاهِرِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَّا إِلَى الْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَجَحَدُوا مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ، فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ، وَأُولَئِكَ مُقَصِّرُونَ غَيْرُ كَامِلِينَ، وَالْقَائِمُونَ بِهَذَا وَهَذَا هُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى قُلُوبِهِمْ قَبْلَ جَوَارِحِهِمْ، وَأَنَّ عَلَى الْقَلْبِ عُبُودِيَّةً فِي الْأَمْرِ كَمَا عَلَى الْجَوَارِحِ، وَأَنَّ تَعْطِيلَ عُبُودِيَّةِ الْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ تَعْطِيلِ عُبُودِيَّةِ الْجَوَارِحِ، وَأَنَّ كَمَالَ الْعُبُودِيَّةِ قِيَامُ كُلٍّ مِنَ الْمَلِكِ وَجُنُودِهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، فَهَؤُلَاءِ خَوَاصُّ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ.

.فَصْلٌ: [الْفِرَارَ مِنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا]:

قَوْلُهُ: وَمِنَ الْحُظُوظِ إِلَى التَّجْرِيدِ.
يُرِيدُ الْفِرَارَ مِنْ حُظُوظِ النُّفُوسِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا لَا الْمُعْتَنُونَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمُرَادِهِ، وَحَقِّهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَعْرِفَةِ نُفُوسِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَآفَاتِهِمَا وَرُبَّ مُطَالِبَ عَالِيَةٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْعِبَادِ هِيَ حُظُوظٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهَا وَيَفِرُّونَ إِلَيْهِ مِنْهَا، يَرَوْنَهَا حَائِلَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَطْلُوبِهِمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَظُّ مَا سِوَى مُرَادِ اللَّهِ الدِّينِيِّ مِنْكَ، كَائِنًا مَا كَانَ، وَهُوَ مَا يَبْرَحُ حَظًّا مُحَرَّمًا إِلَى مَكْرُوهٍ إِلَى مُبَاحٍ إِلَى مُسْتَحَبٍّ, غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَلَا يَتَمَيَّزُ هَذَا إِلَّا فِي مَقَامِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَبِالنَّفْسِ وَصِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا.
فَهُنَاكَ تَتَبَيَّنُ لَهُ الْحُظُوظُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَيَفِرُّ مِنَ الْحَظِّ إِلَى التَّجْرِيدِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ لَهُمْ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلَى الْحُظُوظِ وَعَلَى مُرَادِهِمْ مِنْهُ، وَأَمَّا تَجْرِيدُ عِبَادَتِهِ عَلَى مُرَادِهِ مِنْ عَبْدِهِ:
فَتِلْكَ مَنْزِلَةٌ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ ** سِوَى نَبِيٍّ وَصِدِّيقٍ مِنَ الْبَشَرِ

وَالزُّهْدُ زُهْدُكُ فِيهَا لَيْسَ زُهْدَكَ فِي ** مَا قَدْ أُبِيحَ لَنَا فِي مُحْكَمِ السُّوَرِ

وَالصِّدْقُ صِدْقُكُ فِي تَجْرِيدِهَا وَكَذَا الـْ ** ـإِخْلَاصُ تَخْلِيصُهَا إِنْ كُنْتَ ذَا بَصَرِ

كَذَا تَوَكُّلُ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ فِي ** تَجْرِيدِ أَعْمَالِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَدَرِ

كَذَاكَ تَوْبَتُهُمْ مِنْهَا فَهُمْ أَبَدًا ** فِي تَوْبَةٍ أَوْ يَصِيرُوا دَاخِلَ الْحُفَرِ

وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحِبُ هَذَا التَّجْرِيدِ لَا يَقْنَعُ مِنَ اللَّهِ بِأَمْرٍ يَسْكُنُ إِلَيْهِ دُونَ اللَّهِ، وَلَا يَفْرَحُ بِمَا حَصَلَ لَهُ دُونَ اللَّهِ، وَلَا يَأْسَى عَلَى مَا فَاتَهُ سِوَى اللَّهِ، وَلَا يَسْتَغْنِي بِرُتْبَةٍ شَرِيفَةٍ وَإِنْ عَظُمَتْ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ النَّاسِ، فَلَا يَسْتَغْنِي إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، وَلَا يَفْرَحُ إِلَّا بِمُوَافَقَتِهِ لِمَرْضَاةِ اللَّهِ، وَلَا يَحْزَنُ إِلَّا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا مِنْ سُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، وَاحْتِجَابِ اللَّهِ عَنْهُ، فَكُلُّهُ بِاللَّهِ، وَكُلُّهُ لِلَّهِ، وَكُلُّهُ مَعَ اللَّهِ، وَسَيْرُهُ دَائِمًا إِلَى اللَّهِ، قَدْ رُفِعَ لَهُ عَلَمُهُ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ، وَتَجَرَّدَ لَهُ مَطْلُوبُهُ فَعَمِلَ عَلَيْهِ، تُنَادِيهِ الْحُظُوظُ: إِلَيَّ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا أُرِيدُ مَنْ إِذَا حَصَلَ لِي حَصَلَ لِي كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا فَاتَنِي فَاتَنِي كُلُّ شَيْءٍ، فَهُوَ مَعَ اللَّهِ مُجَرَّدٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَمَعَ خَلْقِهِ مُجَرَّدٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَعَ الْأَمْرِ مُجَرَّدٌ عَنْ حَظِّهِ، أَعْنِي الْحَظَّ الْمُزَاحِمَ لِلْأَمْرِ، وَأَمَّا الْحَظُّ الْمُعِينُ عَلَى الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يَحُطُّهُ تَنَاوُلُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ وَلَا يُسْقِطُهُ مِنْ عَيْنِ رَبِّهِ.
وَهَذَا أَيْضًا مَوْضِعٌ غَلِطَ فِيهِ مَنْ غَلِطَ مِنَ الشُّيُوخِ، فَظَنُّوا أَنَّ إِرَادَةَ الْحَظِّ نَقْصٌ فِي الْإِرَادَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْحَظَّ نَوْعَانِ: حَظٌّ يُزَاحِمُ الْأَمْرَ، وَحَظٌّ يُؤَازِرُ الْأَمْرَ فَيُنَفِّذُهُ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْمُومُ، وَالثَّانِي مَمْدُوحٌ، وَتَنَاوُلُهُ مِنْ تَمَامِ الْعُبُودِيَّةِ، فَهَذَا لَوْنٌ وَهَذَا لَوْنٌ.